ليلة القبض على العراق
محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 27 / 8 / 2003
ايها المقدسي العريق نبيل خوري, لقد تأخرت كثيراً في رثائك, بل قل تلكأت وربما تهربت بصورة ادق, وكنت قد وجدت لنفسي اعذاراً متشابكة لتبرير هذا التهرب, ومنها ان لقاءنا اليتيم لم يكن كافياً لأكتب خصوصية عنك. كما انك شفاف اكثر من ان يكشف طبيب نفسي مثلي خوابئ وكوامن في ذاتك, فأنت ككل مكتوب في كتاباتك, وحسبك انك كنت ذاتك في هذه الكتابات. لذلك بقيت فيها مؤثراً في قرائك وكأن فكرك حاضر دوماً ومستمر في فعله.الآن وبعد هذا التأخير غير المستحب وغير المهذب اود اطلاعك على واحد من اسرار مهنتي, اذ طالما استخدمت كتاباتك كاختبار نفسي للجماعة. ففي تلك الفترة حاولوا تسويق فكرة «وفاة القومية العربية» وهي من الافكار المكملة للنهايات الاميركية ولنهاية الايديولوجيا تحديداً, وكنا نتهم بالرومانسية والصوفية والدردشة لمجرد محاولتنا طرح الشك بهذه الفكرة, ولطالما اتهمنا بشعوذة محاولة تحضير الارواح لمجرد الحديث عن القومية, وكنت انت احد المشعوذين, بل احد غلاة المشعوذين. لذلك كنت الجأ تحديداً الى كتابك «ليلة القبض على الصحفي» فأحاور من قرأوه لأجدهم يعيشون معك الاحباطات المتحولة ويبكون تعاطفاً معك فيؤكدوا ويتأكدوا ان شعورهم القومي لم يمت بل لم يخفت قط. وأن المسألة لا تتعدى الشعور بعدم القدرةعلى الفعل. اي بلا جدوى الفعل وعبثيته. وهذا الشعور هو الاكثر ايذاء من بين كل مشاعر الاحباط.وهكذا ادين لك بهذا الاختبار المهم الذي ساعدني وآخرين على انكار وفاة العروبة. وأمن لنا الحماية من سخرية العرب المتحولين الى كره أنفسهم وعروبتهم, حيث طاب لهؤلاء ممارسة مازوخيتهم باعتماد تسميات ومصطلحات تساعدهم على جلد ذواتهم وتحقيرها, والمصطلح الاوفى, بالنسبة اليهم, هو الاكثر لعنة لنظامنا الرمزي ولنمط حياتنا المعيش. ايها المقدسي العروبي قد تهمك بعض اخبار احملها اليك علها تعوض تقاعسي عن الكتابة اليك, فقد نشبت حرب اميركية بريطانية على العراق وهددت من بقي من عرب يحبون عروبتهم, وهوى العراق المنهك بصورة درامية تهون امامها هزائمنا السابقة, فحين تتوالى الكوارث تكون الكارثة الاخيرة خزاناً لكل سابقاتها, واستعدنا مرة اخرى الشعور بالقدرة على الفعل. وتظاهر هذا الشعور بالانحياز العلني لسوريا الى جانب الشعب العراقي, وتوجه الشبان العرب للقتال في العراق دفاعاً عن عروبته وثقافته, ومات المئات منهم هناك ليبرهنوا ان العروبة باقية وأن الانتماء اغلى من مساومات عرب يكرهون انفسهم, وكما هي العادة فقدنا الشعور بجدوى الفعل وعدنا للاحباط بفعل كمية من القنابل الاميركية المحرمة دولياً. بل وباعلان اميركا احتلالها للعراق, فهل تذكر كم دعونا لفهم التغيرات المصاحبة للعولمة, وضرورة تخلينا عن رومانسية الحلم العربي وركوب قطار الواقعية؟ ولا اعلم كيف يفكر الواقعيون العرب بعد ان اعادتنا فكرة الاحتلال الى القرن ما قبل الماضي, إلا انني استطيع ان اخبرك وأنقل اليك آراء احد العرب ممن يكرهون انفسهم حتى الموت. فقد تولى هذا العربي الفرع الاعلاني المعرب للحرب, فأسهم, بنشوة منقطعة النظير, في اقناعنا بضرورة ايقاع اعداد اكبر من القتلى العراقيين, وساومنا على قطرية قتلى الحروب الاميركية المقبلة, وترك لنا الخيار اذا ما اردناهم سوريين ام لبنانيين او حتى سعوديين لو اردنا, فصاحبنا ربيب الديمقراطية الاميركية وناطق باسمها خلال حرب العراق. وهو يعاود الظهور على بعض الفضائيات العربية من آن لآخر على سبيل التذكير بوجوده وتمثيله للعرب الكارهين انفسهم.ايها العروبي العتيق يؤسفني ان ابلغك بحمل هذا العربي الكريه لاسم مطابق لاسمك, لكنني ارجوك ان تثق بأننا ما زلنا نملك القدرة على التفريق بين الشياطين وبين الملائكة.وثق أن أحداً لن يقع في شرك المزج والخلط بينك و,بينه, ولعل رحمة الله احاطتك برعايتها عندما جنبتك معايشة كارثة عربية اخرى لا نزال نجهل ذيولها وتداعياتها, كما ان الموت حماك من مواجهة مأزق الاستماع الى افكار وتعبيرات عربي يكره نفسه حتى الرجم ويحمل اسماً مطابقاً لاسمك. ومن نعم الله ومنته علينا ان هذا الشخص يتكلم ولا يكتب, ونرجو الله ألا يكتب, ورجاؤنا ليس فقط حفاظاً على ذكراك واسمك بل هو رفقاً وترفقاً بقرائنا وبلغتنا التي لم تعد تحتمل جرعة عقوق اضافية.على الرغم مما تقدم فأنت مدين لهذا الشخص الذي ذكرني بك ولو بعد حين ودفع بالكثيرين لتذكرك والترحم عليك مجدداً, وحسبك ان الله لم يكتب عليك حضور ليلة القبض على العراق
محمد احمد النابلسي / الكفاح العربي في 27 / 8 / 2003
ايها المقدسي العريق نبيل خوري, لقد تأخرت كثيراً في رثائك, بل قل تلكأت وربما تهربت بصورة ادق, وكنت قد وجدت لنفسي اعذاراً متشابكة لتبرير هذا التهرب, ومنها ان لقاءنا اليتيم لم يكن كافياً لأكتب خصوصية عنك. كما انك شفاف اكثر من ان يكشف طبيب نفسي مثلي خوابئ وكوامن في ذاتك, فأنت ككل مكتوب في كتاباتك, وحسبك انك كنت ذاتك في هذه الكتابات. لذلك بقيت فيها مؤثراً في قرائك وكأن فكرك حاضر دوماً ومستمر في فعله.الآن وبعد هذا التأخير غير المستحب وغير المهذب اود اطلاعك على واحد من اسرار مهنتي, اذ طالما استخدمت كتاباتك كاختبار نفسي للجماعة. ففي تلك الفترة حاولوا تسويق فكرة «وفاة القومية العربية» وهي من الافكار المكملة للنهايات الاميركية ولنهاية الايديولوجيا تحديداً, وكنا نتهم بالرومانسية والصوفية والدردشة لمجرد محاولتنا طرح الشك بهذه الفكرة, ولطالما اتهمنا بشعوذة محاولة تحضير الارواح لمجرد الحديث عن القومية, وكنت انت احد المشعوذين, بل احد غلاة المشعوذين. لذلك كنت الجأ تحديداً الى كتابك «ليلة القبض على الصحفي» فأحاور من قرأوه لأجدهم يعيشون معك الاحباطات المتحولة ويبكون تعاطفاً معك فيؤكدوا ويتأكدوا ان شعورهم القومي لم يمت بل لم يخفت قط. وأن المسألة لا تتعدى الشعور بعدم القدرةعلى الفعل. اي بلا جدوى الفعل وعبثيته. وهذا الشعور هو الاكثر ايذاء من بين كل مشاعر الاحباط.وهكذا ادين لك بهذا الاختبار المهم الذي ساعدني وآخرين على انكار وفاة العروبة. وأمن لنا الحماية من سخرية العرب المتحولين الى كره أنفسهم وعروبتهم, حيث طاب لهؤلاء ممارسة مازوخيتهم باعتماد تسميات ومصطلحات تساعدهم على جلد ذواتهم وتحقيرها, والمصطلح الاوفى, بالنسبة اليهم, هو الاكثر لعنة لنظامنا الرمزي ولنمط حياتنا المعيش. ايها المقدسي العروبي قد تهمك بعض اخبار احملها اليك علها تعوض تقاعسي عن الكتابة اليك, فقد نشبت حرب اميركية بريطانية على العراق وهددت من بقي من عرب يحبون عروبتهم, وهوى العراق المنهك بصورة درامية تهون امامها هزائمنا السابقة, فحين تتوالى الكوارث تكون الكارثة الاخيرة خزاناً لكل سابقاتها, واستعدنا مرة اخرى الشعور بالقدرة على الفعل. وتظاهر هذا الشعور بالانحياز العلني لسوريا الى جانب الشعب العراقي, وتوجه الشبان العرب للقتال في العراق دفاعاً عن عروبته وثقافته, ومات المئات منهم هناك ليبرهنوا ان العروبة باقية وأن الانتماء اغلى من مساومات عرب يكرهون انفسهم, وكما هي العادة فقدنا الشعور بجدوى الفعل وعدنا للاحباط بفعل كمية من القنابل الاميركية المحرمة دولياً. بل وباعلان اميركا احتلالها للعراق, فهل تذكر كم دعونا لفهم التغيرات المصاحبة للعولمة, وضرورة تخلينا عن رومانسية الحلم العربي وركوب قطار الواقعية؟ ولا اعلم كيف يفكر الواقعيون العرب بعد ان اعادتنا فكرة الاحتلال الى القرن ما قبل الماضي, إلا انني استطيع ان اخبرك وأنقل اليك آراء احد العرب ممن يكرهون انفسهم حتى الموت. فقد تولى هذا العربي الفرع الاعلاني المعرب للحرب, فأسهم, بنشوة منقطعة النظير, في اقناعنا بضرورة ايقاع اعداد اكبر من القتلى العراقيين, وساومنا على قطرية قتلى الحروب الاميركية المقبلة, وترك لنا الخيار اذا ما اردناهم سوريين ام لبنانيين او حتى سعوديين لو اردنا, فصاحبنا ربيب الديمقراطية الاميركية وناطق باسمها خلال حرب العراق. وهو يعاود الظهور على بعض الفضائيات العربية من آن لآخر على سبيل التذكير بوجوده وتمثيله للعرب الكارهين انفسهم.ايها العروبي العتيق يؤسفني ان ابلغك بحمل هذا العربي الكريه لاسم مطابق لاسمك, لكنني ارجوك ان تثق بأننا ما زلنا نملك القدرة على التفريق بين الشياطين وبين الملائكة.وثق أن أحداً لن يقع في شرك المزج والخلط بينك و,بينه, ولعل رحمة الله احاطتك برعايتها عندما جنبتك معايشة كارثة عربية اخرى لا نزال نجهل ذيولها وتداعياتها, كما ان الموت حماك من مواجهة مأزق الاستماع الى افكار وتعبيرات عربي يكره نفسه حتى الرجم ويحمل اسماً مطابقاً لاسمك. ومن نعم الله ومنته علينا ان هذا الشخص يتكلم ولا يكتب, ونرجو الله ألا يكتب, ورجاؤنا ليس فقط حفاظاً على ذكراك واسمك بل هو رفقاً وترفقاً بقرائنا وبلغتنا التي لم تعد تحتمل جرعة عقوق اضافية.على الرغم مما تقدم فأنت مدين لهذا الشخص الذي ذكرني بك ولو بعد حين ودفع بالكثيرين لتذكرك والترحم عليك مجدداً, وحسبك ان الله لم يكتب عليك حضور ليلة القبض على العراق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق